عبد الوهاب الشعراني
297
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى أبو داود وابن ماجة والترمذي مرفوعا : « من أكل طعاما ثمّ قال الحمد للّه الّذي أطعمني هذا الطّعام ورزقنيه من غير حول منّي ولا قوّة غفر له ما تقدّم من ذنبه » . وروى مسلم والنسائي والترمذي وحسنه مرفوعا : « إنّ اللّه تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشّربة فيحمده عليها » . قال الحافظ : والأكلة بفتح الهمزة المرة من الأكل ، وقيل بضم الهمزة وهي اللقمة . وروى الطبراني وابن حبان في « صحيحه » : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم خرج وأبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما إلى دار أبي أيّوب الأنصاريّ فذكر الحديث بطوله إلى أن قال : فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا من لحم الجدي ، فوضعه في رغيف وقال : يا أبا أيّوب أبلغ هذا فاطمة فإنّها لم تصب مثل هذا منذ أيّام فذهب به أبو أيّوب إلى فاطمة فلمّا أكلوا وشبعوا ، قال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : خبز ولحم وبسر ورطب ودمعت عيناه ، وقال : والذي نفسي بيده إنّ هذا هو النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة ، فكبر ذلك على أصحابه ، فقال : بل إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فقولوا باسم اللّه ، وإذا شبعتم فقولوا الحمد للّه الّذي هو أشبعنا وأنعم علينا فأفضل ، فإنّ هذا كفاف بهذا » . وروى أبو يعلى مرفوعا : « من أكل فشبع وشرب فروي ، فقال الحمد للّه الّذي أطعمني وأشبعني وسقاني وأرواني خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » . قال الحافظ : والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . [ كيفية تلقي جميع ما أنعم اللّه به علينا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نتلقى جميع ما أنعم اللّه تعالى به علينا ونحن على طهارة كاملة ، كما نتطهر للصلاة والطواف ونحوهما ، فإن العلماء اختلفوا في المراد بالوضوء عند الأكل ، فقال قوم : المراد به الوضوء كاملا ، وقال قوم : المراد به غسل اليد فقط فمشينا على الأحوط وهو الطهارة الكاملة ، فإن لم يتيسر ذلك غسلنا اليد والفم ، وكذلك نفعل بعد الأكل . وهنا أسرار يذوقها أهل اللّه لا تسطر في كتاب ، يعرفها من يعرف أن سيد القوم هو خادمهم ، ولذلك كان سيدي محمد بن عنان لا يمتنع من صب الأمير الكبير على يديه ، ولا يستحي من استخدامه ويقول : من امتنع من صب الكبير على يديه فكأن لسان حاله يقول لا أمكنك أن تكون سيدا عليّ . وكان سيدي علي الخواص لا يمكن أحدا يصب على يديه ولو زبالا ، فكان يشهد عبودية نفسه وسيادة غيره ، ويقول : ليس من الأدب استخدام السيد ولو طلب هو ذلك تجملا ، كما ننزهه عن أن يكون هو المزيل لقاذوراتنا ، ولكل مقام رجال ، ولكل رجال مشهد ، ومن هنا قال العلماء : لا ينبغي أن يقال سبحان خالق الخنازير مع أنه تعالى خالق لها بالإجماع ، ولو كشف للعبد الحجاب لخاطبته أسرار اللّه من كل ذات وحجب بالسر القائم بالذوات عن الذوات كما أشار إليه خبر :